علاج ظاهرة اتباع الهوى

، 2٬536 مشاهدة

الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك. سبحانك اللهم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله. خير نبي أرسله. أرسله الله إلى العالم كلِّهِ بشيراً ونذيراً. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى. أما بعد فيا عباد الله:

إن كتاب الله سبحانه وتعالى يقرر مؤكداً ومكرراً أن الفساد الذي يترتب على تأليه الشهوات والرعونات النفسية والعصبية للذات والجماعة أو المذهب أشد وأخطر من الفساد الذي يتسبب عن الشرك بالله سبحانه وتعالى وعبادة الأصنام والحجارة الصماء، هكذا يؤكد بيان الله سبحانه وتعالى ويقرر، فتعالوا نصغي السمع إلى هذا الذي يؤكده بيان الله سبحانه وتعالى، يقول عز وجل:

(وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ) [المؤمنون : 71].

ويقول:

(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) [الجاثية : 23]

ويقول:

(وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) [الكهف : 28].

ويكرر البيان الإلهي هذا المعنى الذي ألفت نظري وأنظاركم إليه، يقول:

(وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) [ص : 26].

إنكم لتلاحظون أن هذه المعاني؛ رعونات النفس، الشهوات، العصبية للذات، العصبية للجماعة، للمذهب يجمعها البيان الإلهي كلها في كلمة معبرة عنها جميعاً هي الهوى أو الأهواء.

وينبغي أن نعلم يا عباد الله أن هؤلاء الناس الذي يؤلهون أهواءهم – حسب التعبير القرآني – فريقان اثنان، فريق لم يعرفوا الله عز وجل فلم يؤمنوا به ولم يجدوا أمامهم ما يتبعونه ويؤلهونه إلا هذه الأهواء فعقدوا معها رباط العبودية لها، ومعذرة هؤلاء إن ناقشتهم أنهم لا يعرفون من يتبعونه ومن يدينون له بالولاء غير هذه الأهواء المهيمنة عليهم، فسبيل مناقشتك لهم أن تذكرهم بالله وأن تذكرهم بكلام الله وأن تذكرهم بدلائل عبوديتهم لله عز وجل، وما أكثر من يتجاوبون بسرعة، يصغون السمع وما هي إلا أيام أو مدة من الزمن طالت أو كَثُرَتْ وإذا بهم تحرروا من أسر أهوائهم ودانوا لمنطق عبوديتهم لله سبحانه وتعالى، الخطب مع هؤلاء فيما أعتقد يسير.

وأما الفريق الثاني فأناس عرفوا الله وآمنوا به وقرؤوا كتابه ودانوا له وعرفوا نبيهم محمد r، وأيقنوا أنه جاء بالهدى ودين الحق، ولكن صراعاً قام بين هذا الذي آمنوا به وصدقوه وبين رعوناتهم وأهوائهم وعصبياتهم التي عبر عنها البيان الإلهي بالأهواء، قام صراع بين هذه الأهواء وبين ما صدقوه وآمنوا به من حقيقة هذا الدين الذي شرفنا الله به، فكانت الغلبة – ويا للأسف – لهذه الأهواء، كيف انعقد الصلح عند هؤلاء الناس بين حقائق الإيمان التي دخلت شغاف عقولهم وبين أهوائهم التي هيمن سلطانها عليهم؟ انعقد الصلح بالطريقة التالية. جعلوا من الدين الذي آمنوا به خادماً لأهوائهم ورعوناتهم، جعلوا من حقائق هذا الإسلام مطية لأهوائهم ومبتغياتهم، هكذا انعقد الصلح، إن صح أنه صلح، بهذه الطريقة تم الأمر. وإننا لننظر إلى جنبات مجتمعنا بل مجتمعاتنا المترامية الأطراف فما أكثر ما نجد من هذا الفريق. ناسٌ مؤمنون بالله، إن ذكرتهم بالله سبقوق إلى هذا الذي تذكرهم به، وإن حدثتهم عن مخاوف يوم القيامة ذكروا لك الأدلة الباهرة التي لا تعرفها مما يدل على ذلك، ولكنك تنظر فتجد أنهم كلما وجدوا حكماً من أحكام الشريعة الإسلامية يتناقض وأهواءهم – حسب التعبير القرآني – يغضون الطرف عن ذلك الحكم، يتأولونه، يضعفونه، يبطلونه لينتصروا للعصبية التي آلوا مع أنفسهم على ألا يتنازلوا عنها وأن يصروا إصرارهم على إتباعها، فما علاج هذه الظاهرة؟

علاج ذلك، الفريق الأول يسير كما قلت لكم، أما هؤلاء إن ذكرتهم بالحقيقة رأيت أنهم يعرفونها وإن ذكرتهم بضرورة الالتزام بأمر الله رأيت أنهم يسكتونك بالأدلة تلو الأدلة على ما تذكرهم به، فما السبيل إلى أن نحرر هؤلاء الناس من التبعية لأهوائهم ومن هذا الوضع الذي حكموا على أنفسهم أو لأنفسهم به من أن يجعلوا من أهوائهم الحاكم وأن يجعلوا من الدين خادماً لأهوائهم، وها أنا أيها الإخوة أضرب لكم المثل بنفسي لأجسد هذه المشكلة التي لن نجد حلاً لها إلا باللجوء إلى الله.

أنا الآن – وأفرض نفسي والعياذ بالله أنني ممن دان لأهوائه واتخذ من الدين مطية له – وقفت على حديث في الصحيح يقول فيه المصطفى r محذراً من الخروج بالقوة على الحاكم إلا أن نرى كفراً بواحاً لنا عليه من الله سلطان، أنظر إلى هذا الحديث وأتأمله وإذا هو يخالف العصبية التي جعلت منها حاكماً عليَّ في حياتي، نظرت وإذا بهذا الحديث يتعارض مع مبتغياتي، مع عصبيتي للجماعة أو للمذهب أو للفئة، يتعارض مع مصالحي الآنية التي أحلم بها ليل نهار، فماذا أصنع؟ ما أيسر أن أقول: الحديث غير ثابت، الحديث ضعيف، وأنا أعلم أن الحديث ليس ضعيفاً ولكني وقد أوتيت علماً من علوم هذا الدين أُسَخِّرُ ما قد عرفته للانتصار لعصبيتي ولأهوائي، ويأتي أخٌ مخلص لي ومخلص لدين الله سبحانه وتعالى فيقول لي: ولكن هذا الذي رأيته ضعيفاً هو مما اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم، ألم تسمع عبادة بن الصامت فيما يرويه الشيخان يقول: دعانا رسول الله r فبايعناه فكان مما بايعنا أن أخذ علينا أن ندين بمنشطنا ومكرهنا ويسرنا وعسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله قال – أي رسول الله – : إلا أن تروا كفراً بواحاً لكم عليه من الله برهان.

يقول لي هذا الأخ الودود المخلص: وفي الصحيحين حديث آخر متفق عليه يقول فيه المصطفى r: (من كره من أميره شيئاً فليصبر، فإنه من خرج على السلطان قيد شبر فمات مات ميتة جاهلية) يقول لي هذا الكلام من منطلق الغيرة عليَّ والإخلاص لي ولكني أقول له – وما أيسر ما أرى الجواب في خزانة معلوماتي التي جمعتها إذ كنت طالب علم – أقول له: تتغير الأحكام بتغير الأزمان، ذلك حكم أبرمه رسول الله r آنذاك، واليوم لابد أن يتغير هذا الحكم تحت سلطان القاعدة القائلة: تتبدل الأحكام بتبدل الأزمان. فماذا أصنع أو ماذا يصنع هذا الأخ الذي يأتي وقد دفعته الغيرة عليَّ، كلما نبهني إلى الحق في جانب استخرجت له من مخزونات علمي شيئاً أسكته به، وأنا أعلم أنني إنما أتبع فيما أقول عصبيتي، وأنا أعلم أنني إنما أتبع فيما أقول أهوائي حسب التعبير القرآني. منذ سنوات استشهدت بهذا الحديث الذي أضعفه اليوم، نعم.

هذه الصورة ضربت من نفسي مثالاً عليها وأسأل الله العفو والعافية يا عباد الله، أسأل الله سبحانه وتعالى ألا يجعل من عصبياتنا وأهوائنا سلطاناً على ديننا، سلطاناً على معتقداتنا.

هذا الذي أصفه لكم هو فعلاً كما بين كتاب الله عز وجل، الفساد الذي يستشري من تأليه الأهواء أشد من الفساد الذي يستشري من عبادة حجر أصم أو من الإشراك بالله أو عبادة الأصنام. عابد الصنم ليس بينه وبين أن يرعوي إلا أن تذكره من جهل وأن تنتشله من نسيان، أما هؤلاء الذين عرفوا الله وعرفوا الحق وعرفوا كتاب الله لكنهم عاهدوا أنفسهم أن يجعلوا من كتاب الله وحقائقه وسنة رسول الله وهديه خادماً لعصبياتهم، خادماً لأمزجتهم، كيف السبيل إلى أن تقنعهم، كيف السبيل إلى أن تهديهم؟ أتذكرهم بالمرجع الذي يمكن أن يعودوا فيه لمعرفة هذا الحق؟ هم يعرفوه، أتذكرهم بأن الأصل في الكلام الحقيقة ولا يجوز أن نفر من الحقيقة التي يخاطبنا بها الله في قرآنه إلى مجاز إلا بعد تعذر الحقيقة؟ هو يعلم ذلك. إذاً ما السبيل؟ كم من آية في كتاب الله عز وجل صريحة أُوِّلَتْ وتم التلاعب بها من أجل ألا يتغير هؤلاء الناس عن الناس الذين عاهدوهم أن يسيروا على نهج معين وأن ينادوا بأفكار معينة، هذه مشكلة أعتقد أن قلَّ من ينبهنا إليها، لكن القرآن مليء بالآيات التي تذكرنا بها، فما الملاذ؟ ليس المهم أن أصور لكم مشكلة، إنما المهم أن أقود نفسي وإياكم إلى الحل.

والله الذي لا إله إلا هو لا أجد حلاً أمامي لهذه المشكلة وأمثالها إلا حلاً واحداً، هو صدق الالتجاء والضراعة إلى الله، أقول صدق الالتجاء والضراعة إلى الله أي لا أعني الالتجاء التقليدي، لا أعني ما يُهْرَعُ إليه أناس إذ يحفظون بعض الأحاديث التي قيلت إنها تتضمن أدعية مستجابة إن دعا الإنسان بها فيحفظها ثم إنه يكررها بلسانه ثم إنه يقول ها أنا قد دعوت الله، هذا يسمى دعاءً تقليدياً، أنا أنشد صدق التضرع إلى الله، أنا أعني أن نبحث عن ساعة قدسية في الأربع وعشرين ساعة المتكررة في حياتك يا أيها المسلم، ولن تجد أقدس من ساعة السحر تقوم فيها جهد استطاعتك، إن استطعت أن تقوم ساعة فذلك خير وإن لم تستطع فقم الدقائق التي تستطيع أن تقوم فيها، أسبغ الوضوء، صل لربك وليس بينك وبينه أحدٌ يشغلك عنه، في سجودك خاطب الله، التجأ إلى الله بالكلام الذي تريد، باللهجة التي تحب، بعاميتك التي تهيمن على لسانك كما تحب بشرط واحد، أن يكون قلبك هو الذي يحرك لسانك، ناج الله وأنت تتجلبب بذل العبودية له، خاطبه، استنزل رحمته لنفسك، لإخوانك، لبلدك، لعباد الله جميعاً، المؤمنين أن يصحوا إلى الحق والتائهين أن يهديهم الله عز وجل إلى الحق، وأطل، أطل هذه المناجاة ما طابت لك الإطالة، ناج الله عز وجل واجعل من ذلك ورداً لك، أنا أولاً أخاطب نفسي وآمر نفسي بهذا وأخاطبكم جميعاً، أذكركم بهذا، هذا هو الدواء، هذا هو العلاج، وقسماً لو أننا التجأنا إلى هذا العلاج – لا أقول الأفضل بل الأوحد – لوجدنا أن ربنا يقول – وإننا لنسمعه ببصيرتنا، بسمع بصائرنا – يقول: لبيك لبيك، التضرع إلى الله:

(فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [الأنعام : 43].

أيها الإخوة: يا عجباً، أنا أتحدث عن نفسي، بيني وبين الحفرة التي سأُغَيَّبُ فيها أيام، ساعات، شهور لا أدري وقد بلغت من العمر إلى هذا الحد، كيف أعكر صلة ما بيني وبين الله لأعبِّدَ الصلة ما بيني وبين أهوائي وشهواتي كيف يا عباد الله؟! غداً سأقف بين يدي الله ولسوف يحاسبني، ماذا أقول له، ماذا أقول له أجل، أنا أحاور نفسي وأسأل نفسي أيها الإخوة.

إن نحن أدركنا هذه الحقيقة وفررنا من أنفسنا، من رعوناتنا، من عصبياتنا إلى باب الله عز وجل والتجأنا إليه ضارعين، استنزلنا رحمته واستدفعنا نقمته، وما أكثر أنواع النقم التي تطوف بنا من بعيد أو قريب، والله الذي لا إله إلا هو لنجدن الجواب سريعا، لكن أين هم الملتجئون إلى الله، أين هم الذين يقومون في الأسحار بل أين هم الذين يتبوءون مراكز الدعوة إلى الله وبينهم وبين الله عهود ومواعيد في ساحات السحر، سهام الأسحار أيها الإخوة لا تخطئ، هذا هو العلاج، ذلكم هو الإشكال الكبير وهذا هو العلاج الوحيد، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

خطبة جمعة للدكتور سعيد رمضان البوطي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*