الأحد, يناير 17
Shadow

مايوت والمآل.. قلة الوعي أم وعي القلة؟

عندما عجزت الشعوب المستبِدة في العصور السالفة عن تحقيق آمالها وطموحاتها بالقوة والقهر والإذلال ، لجأت إلى لون آخر من الاستبداد ، وهو إخضاع المستبَد تحت قوانين الاستبداد طواعية ، من خلال زرع ثقافة المسيطِر على المسيطَر عليه.
تعالت في الآونة الأخيرة بعض الأصوات والشعارات والهتافات المنددة باستمرارية احتلال جزيرة مايوت وطالبت تلك الأصوات الدولة المستعمرة بإنهاء الاستعمار، حتى وصلت مطالبها إلى المحافل الدولية والأمم المتحدة ، وقوبلت هذه المطالب بالنفي التام من قبل المستعمر، وزعم أنه لم يعد يستعمر، وإنما اختار أهلها البقاء تحت حكم الاستعمار طواعية.
في السبعينات عندما صوتت مايوت ضد الاستقلال واختارت البقاء تحت حكم الاستعمار لم يكن له مبرر، ولكن ربما نقول أن ذلك جاء تعبيرا عن تحفظها لنقل مركزية الحكم لشقيقها الأكبر “انغازيجا” والتي هي الأخرى نفضت عن كاهلها عبء مسؤولية ما جرى آنذاك، وتركت المياه تنحرف عن مجاريها ، فشرب الشقيق الأصغر من مياه الاستعمار حتى ارتوى، فبات من الصعب إعادة المياه إلى مجاريها الصحيحة ، لذا لا عجب أن نرى تلك الأغلبية الساحقة مؤخرا تصوت ضد الاستقلال أيضا وتختار البقاء تحت حكم الاستعمار مجددا ، لما ترى – أي تلك الأغلبية- ما آل إليه إخوانهم من فقر مدقع، وتمنيهم العودة تحت الاستعمار، بل وصل الأمر فوق حد التمني فباتوا يدفعون حياتهم ثمنا، للهروب من جحيم الاستقلال إلى نعيم الاستعمار.
التحدي الذي تواجه الحكومة القمرية حيال جزيرة مايوت حاليا لا تكمن في إثبات قمرية الجزيرة للمجتمع الدولي أو إقناع المستعمر بالتراجع والتخلي عنها فحسب ، وإنما تكمن في إقناع المايوتيون أنفسهم بأنهم جزء لا يتجزأ من الدولة القمرية أرضا وشعبا ، وهي مهمة ليست بالهينة ، لأن على القمريين إما أن يصلوا إلى مرتبة اقتصادية أفضل مما لدى المايوتيون – وإن كان هذا هو الأرجح لأنه المرتكز الأساسي لدى المستعمر – أو إقناعهم بأن التقلب تحت جحيم الاستقلال بحرية، أفضل من الانصياع والخضوع تحت نعيم الاستعمار.
القلة القليلة منا من يعي بالقضية المايوتية وبحقيقة ما يجري ، والقيل منا من يعي بتاريخ مايوت وما آلت إليه ، هل هي فعلا اختارت البقاء مع الاستعمار أم أن المستعمر فرض نفسه البقاء فيها؟ ما أهمية مايوت بالنسبة لموقعها الجغرافي؟ وما أهميتها أيضا بالنسبة للمستعمر؟.
من هنا يظهر دور اللجنة المكلفة بالدفاع عن مايوت، أن عليها أن تعي تماما أن الدور الذي ستلعبه محليا أكبر من ذاك الذي ستلعبه على الساحة الدولية ، فعليها أن تولي اهتماما كبيرا بتوعية القمريين بتلك المسألة ، لأنها ليست مسألة جماعة معينة ولكنها مسألة شعب، فينبغي أن تأخذ بدءا من المؤسسات التعليمية كالمدارس والجامعات – والتي تفقتر هي الأخرى حتى إلى التاريخ القمري – بإدراج القضية في المناهج التعليمية لكي تظل تتعاقب مع الأجيال ، مرورا إلى الإعلام ، فهو وإن كان فقيرا ، إلا أنه يتحمل الجزء الأكبر لأنه الأسرع والأكثر تأثيرا.

وصولا إلى المؤسسات والدوائر الحكومية والخاصة ، الاقتصادية منها والسياسية والثقافية ، لا بد لها من إيجاد موضع قدم في الجزيرة. والفن كذلك بأنواعه يمكن تسخيره لخدمة القضية من خلال نشر التوعية عبره. والثروة الحقيقية التي يمكن أن تؤثر نوعا ما في القضية – إن أحسنت استغلالها وإن وجدت عقول قادرة على احداث التغيير- هي الجالية القمرية الموجودة على أرض المحتل، فكم من عالم ومثقف قمري يتواجد هناك قادر على تعبير رفضه بالاحتلال ولو بالكلمة ، وكم من فنان هناك أيضا قادر على أن يجمع شمل القمريين والمايوتيين عبر فنه ويحثهم على التقارب والاندماج ، ويذكِّر المايوتيين على أنهم قمريون وليسو فرنسيون ، كل ذلك يعد توعية ، ويسهم في مقاومة المحتل لأنه يعكس للمجتمع الدولي وللمحتل أيضا رفض الشعب القمري التام على الاستعمار ، ولكن إن اقتصر الأمر على لجنة معينة ستكون النتائج المرجوة بطيئة وقليلة التأثير.
زاد الطين بلة في الوقت الراهن حيث أقدم المحتل على ادراج مايوت في دستوره واعتبرها إحدى مقاطعاته ، وهذا ما سيشكل عقبة ومحنة أمام الحكومة القمرية ولجنة الدفاع عن القضية، لأنه حتى بملاحقة المحتل في المحاكم الدولية أو الامم المتحدة أو شابه من تلك الأسماء، لن يغير من الأمر شي، لأن فرنسا في حد ذاتها هي الأمم المتحدة وهي المحكمة الدولية وهي تعتبر نفسها فوق كل قانون ، لأنها من مسنِّي القوانين في تلك المنظمات المزعومة.
السلاح الوحيد الذي يحارب به المحتل في المجتع الدولي هو عدم اعتبار مايوت أنها أرض محتل وإنما هي من اختارت البقاء تحت حكم وسيادة المحتل، وهنا تكمن التحدي لدى جزر القمر لأنها إن أرادت فعلا أن تحدث تغييرا ، فعليها ابطال مفعول ذلك السلاح ، وهو اقناع وجعل المايوتيون أنفسهم يرفضون الاستمعار ، ويرفضوا اعتبارهم كمقاطعة من مقاطعات العدو ، وهذا لن يحدث بين عشية وضحاها وإنما يحتاج إلى وقت ومجهود كبيرين، لذا نقول مجددا أن الدور الذي ستلعبه الحكومة أو لجنة الدفاع محليا أكبر من ذاك الذي قد ستلعبه على الساحة الدولية ، لأن على القلة الواعية أن تمحوا قلة الوعي لدى الشعب تجاه تلك القضية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*